أبي منصور الماتريدي

4

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

رَسُولا رَبِّكَ [ طه : 47 ] ، وقوله : وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [ القصص : 34 ] فإذا كان هو رسولا كموسى في تبليغ الرسالة ، كيف احتاج إلى أن يقول موسى : اخلفني في قومي وهما - شرعا - سواء في الرسالة ؟ قيل : يحتمل هذا وجهين : [ يحتمل ] « 1 » أن يكونا كما ذكر رسولين ، لكن من ولى اثنين أمرا لم يكن لواحد منهما أن ينفرد به إلا بأمر الآخر ، فعلى هذا كأنه قال له : اخلفني في الحكم بينهم ، وأصلح ذات بينهم ، ولا تتبع من دعاك إلى سبيل المفسدين . أو يحتمل أن يكون موسى كان هو الرسول أولا وكان إليه الحكم ، وهارون كان دخيلا في أمره ردءا له على ما قال : فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي [ القصص : 34 ] ولأن موسى كان هو المأمور بها أولا والمبعوث إليهم دونه . ألا ترى أنه كان هو المناجي ربه دون هارون ، وكان هو المعطي الألواح دون هارون ؛ كقوله : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ الأعراف : 145 ] ، وهو الذي قال : إِنِّي آنَسْتُ ناراً [ طه : 10 ] ، وهو الذي نودي بالبركة دون هارون ، وغير ذلك من الآيات ، فإذا كان كذلك استخلفه موسى في قومه . وقوله - عزّ وجل - : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا . أي : لميعادنا الذي وعدناه . وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ . لا يجوز لنا أن نصف كيفية الكلام وماهيته « 2 » ، سوى أنه أنشأ كلاما وصوتا أسمعه موسى كيف شاء بما شاء بكلام مخلوق وصوت مخلوق . قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي . . . الآية [ البقرة : 55 ] . قال قائلون : إن موسى لم يسأل ربّه الرؤية لنفسه ، ولكن سأل لقومه لسؤال القوم له ؛ كقوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] ، لكن هذا بعيد ؛ لأنه لو كان سؤاله إياه لسؤال قومه ، لكان لا يقول : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ، ولكن يقول : أرهم ينظرون إليك ، فدل أنه لم يكن لذلك . وقال قائلون : لم يكن سؤال ربه رؤية الرب ، ولكن سأل ربه رؤية الآيات والأعلام والأدلة التي بها يرى ، وذلك جائز سؤال الرؤية : سؤال رؤية الآيات والأعلام ، وذلك أيضا بعيد ؛ لأنه قد أعطاه من الآيات والأعلام ما لم يكن له الحاجة إلى غيرها من الآيات ؛ من

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : مائيته .